الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
179
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وإنما جعله موسى ظنا تأدبا مع اللّه تعالى ، أو لأنه علم ذلك باستقراء تام أفاده هلاك المعاندين للرسل ، ولكنه لم يدر لعل فرعون يقلع عن ذلك وكان عنده احتمالا ضعيفا ، فلذلك جعل توقع هلاك فرعون ظنا . ويجوز أن يكون الظن هنا مستعملا بمعنى اليقين كما تقدم آنفا . وفي ذكر هذا من قصة موسى إتمام لتمثيل حال معاندي الرسالة المحمدية بحال من عائد رسالة موسى - عليه السلام - . وجاء في جواب موسى - عليه السلام - لفرعون بمثل ما شافهه فرعون به من قوله : إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً مقارعة له وإظهارا لكونه لا يخافه وأنه يعامله معاملة المثل قال تعالى : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [ البقرة : 194 ] . [ 103 ، 104 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 103 إلى 104 ] فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً ( 103 ) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً ( 104 ) أكملت قصة المثل بما فيه تعريض بتمثيل الحالين إنذارا للمشركين بأن عاقبة مكرهم وكيدهم ومحاولاتهم صائرة إلى ما صار إليه مكر فرعون وكيده ، ففرع على تمثيل حالي الرسالتين وحالي المرسل إليهما ذكر عاقبة الحالة الممثل بها نذارة للممثلين بذلك المصير . فقد أضمر المشركون إخراج النبي صلى اللّه عليه وسلّم والمسلمين من مكة ، فمثلت إرادتهم بإرادة فرعون إخراج موسى وبني إسرائيل من مصر ، قال تعالى : وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : 76 ] . والاستفزاز : الاستخفاف ، وهو كناية عن الإبعاد . وتقدم عند قوله تعالى : وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ في هذه السورة [ الإسراء : 76 ] . والمراد بمن معه جنده الذين خرجوا معه يتبعون بني إسرائيل . والأرض الأولى هي المعهودة وهي أرض مصر ، والأرض الثانية أرض الشام وهي المعهودة لبني إسرائيل بوعد اللّه إبراهيم إياها . ووعد الآخرة ما وعد اللّه به الخلائق على ألسنة الرسل من البعث والحشر . واللفيف : الجماعات المختلطون من أصناف شتى ، والمعنى : حكمنا بينهم في الدنيا